محمد بن جرير الطبري

35

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . . . . الآية ، هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن ، فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره . وأما المؤمن فسمع الحق فانتفع به وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به . يقول تعالى : هل يستويان مثلا يقول : هل يستوي هذان الفريقان على اختلاف حالتيهما في أنفسهما عندكم أيها الناس ؟ فإنهما لا يستويان عندكم ، فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله . أفلا تذكرون يقول جل ثناؤه : أفلا تعتبرون أيها الناس وتتفكرون ، فتعلموا حقيقة اختلاف أمريهما ، فتنزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الايمان ؟ فالأعمى والأصم والبصير والسميع في اللفظ أربعة ، وفي المعنى اثنان ، ولذلك قيل : هل يستويان مثلا وقيل : كالأعمى والأصم ، والمعنى : كالأعمى الأصم ، وكذلك قيل : والبصير والسميع ، والمعنى : البصير السميع ، كقول القائل : قام الظريف والعاقل ، وهو ينعت بذلك شخصا واحدا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ) * . أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم أيها القوم نذير من الله أنذركم بأسه على كفركم به ، فآمنوا به وأطيعوا أمره . ويعني بقوله : مبين : يبين لكم عما أرسل به إليكم من أمر الله ونهيه . واختلفت القراء في قراءة قوله : إني فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض المدنيين بكسر إن على وجه الابتداء ، إذ كان في الارسال معنى القول . وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة بفتح أن على إعمال الارسال فيها ، كأن معنى الكلام عندهم : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم نذير مبين . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن يقال : إنهما قراءتان متفقتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء فبأيتهما قرأ القارئ كان مصيبا للصواب في ذلك . وقوله : أن لا تعبدوا إلا الله فمن كسر الألف في قوله : إني جعل قوله : أرسلنا عاملا في أن التي في قوله : أن لا تعبدوا إلا الله ويصير المعنى حينئذ :